| قوله ( أو بملح مائي ) : القسم الثاني : وهو الممازج
الملح المائي : نسبة إلى الماء والماء فيه أملاح ويقولون : بأن هذا الملح ماء انعقد به الملح لا بماء الملح والفرق بينهما فيما قالوا : أن ماء الملح في الشتاء يذوب وفي الصيف يتجمد ، لماذا؟ قالوا لأن أصل الخلقة هكذا .فبعض مياه البحار يكون فيها نسبة الأملاح زائدة فيتغير ، إذا جاء وقت من الأوقات وزادت فيه الملوحة تغير الماء . والتغير هذا هل هو طارئ أو من أصل الماء ؟ ج من أصل الماء
ـ قوله : ( مائي ) : احترازاً من الملح الجبلي الصخري والذي نسميه المعدني الذي يستخرج من الأملاح المعدنية أو ما يسمى بالأملاح الجبلية تستخرج من الصخور و الجبال ، ولو أتينا بهذا النوع من الأملاح ووضعناه في الماء هل سيمازج أم لا ؟ سيمازج ولكنه تغير بشيء ليس من أصل الماء وسيأتي حكمه عند الحنابلة فهو كغيره من الطاهرات على ما يأتي عندهم ، ولهذا اختلف أهل العلم في هذه المسألة :
فمذهب الحنابلة إن كان الملح مائيا فهو طهور ولكنه يكره ، بخلاف الملح المعدني.
والصحيح من كلام أهل العلم : أن الأملاح كلها واحدة فسواءٌ تغير هذا الماء بملح مائي أو معدني فلا يسلبه الطهورية لأن اسم الماء باقٍ عليه وهو مذهب أبي حنيفة ومالك واختيار ابن تيمية .
ولهذا يعبر بعض الحنابلة في كتبهم عن الملح المائي بقولهم ( أو تغير بما هو أصله ) يعنون الملح المائي ونحوه
وقوله : ( أو سخن بنجس كره )
كذلك لو سخن الماء بنجاسة بمعنى أتينا بعذرة نجسة ثم أوقدنا النار لتسخين هذا الماء فما حكم هذا الماء ؟
حكمه أنه طهور مع الكراهة سواء ظن وصولها إليه أو احتمل أولا حصينا كان الحائل أو غير حصين
وأما سبب الكراهة كما قال ابن تيمية أن فيه احتمالا لوصول النجاسة والثاني أنه سخن بإيقاد النجاسة واستعمال النجاسة مكروه والحاصل بالمكروه مكروه
فإِن دخل فيه دخان وغَيَّرَهُ، فإِنه ينبني على القول بأن الاستحالةَ تُصيِّرُ النَّجس طاهراً، فإِن قلنا بذلك لم يضر. وإِن قلنا بأن الاستحالة لا تُطهِّر؛ وتغيَّر أحد أوصاف الماء بهذا الدُّخان كان نجساً. والصواب أن الاستحالة تصير النجس طاهرا
قوله ( كره )
سبق بيان وجه الكراهة فيما سبق وذكر الصواب من كلام أهل العلم
قوله : ( إن تغير بمكثه )
إذا تغير الماء من غير شيء لا بمخالط ولا ممازج ، ولكنه تغير وأنتن في مكانه بسبب طول المكث إما في قربة أو مستنقع أو ما شابه ذلك ، المؤلف يقول : لم يكره وهذا قد انعقد الإجماع عليه نقل الإجماع ابن المنذر سوى ما ذكر عن ابن سيرين
وفي المسألة دليل وهو ما رواه ابن المنذر وغيره عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم : توضأ بماء آسن ( أي تغير بطول المكث ) .
قوله ( أو بما يشق صون الماء عنه )
كذلك إذا تغير الماء بما يشق صون الماء عنه لأنه لا يمكن التحرز منه وتعم به البلوى كورق الشجر وما تلقيه الرياح والسيول من العيدان ونحو ذلك فالماء حكمه أنه طهور وهو مذهب جمهور أهل العلم بل حكاه النووي إجماعا وفي المسألة خلاف ضعيف لأن وقوع هذه الأشياء مما هو مجزوم به ومع هذا فالشارع سكت عنه بل إن كثيرا من أهل العلم صرح بطهوريته ولو غير جميع أوصاف الماء ما دام أن اسم الماء باق عليه
وقوله : " من نابت فيه أو ورق شجر "
مثل الماتن بما يشق صون الماء عنه فذكر النابت فيه وورق الشجر
ويلحق به ما تغير بالسمك ونحوه من دواب البحر فإن بعض دواب البحر إذا كان في بركة فإن رائحته تؤثر على هذا الماء
قوله : " أو بمجاورة ميتة "
إذا جاور الماء ميتة وأصبح فيه رائحة من جراء هذه الميتة فإنه باق على طهوريته ، لماذا ؟ قالوا انعقد الإجماع على هذا وقد نقل الإجماع الإمام القرطبي والنووي وشمس الدين في الشرح الكبير وجماعة من أهل العلم ، وله دليل وإن كان ضعيفاً وهو حديث أبي أمامة ـ رضي الله عنه ـ عند ابن ماجة والبيهقي واللفظ له أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه " ، فهل هذه النجاسة حدثت فيه أو حدثت لمجاورة ؟ لمجاورة ، فالنجاسة لم تحدث في الماء .
قوله : " أو سخن بالشمس "
كذلك إذا سخن الماء بالشمس فإنه طهور اتفاقا واختلفوا في كراهته والمؤلف يقول إنه لا يكره وذلك لأنه مسخن بطاهر أشبه المسخن بالحطب
وقيل بأنه يكره وعللوا ذلك بحديث ورد فيه أنه يورث البرص
وهو حديث عائشة وعمر بن الخطاب عند الدارقطني وغيره وفيه أنه يورث البرص وهي أحاديث باطلة بل ذكره ابن الجوزي في الموضوعات ولفظ حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة وقد سخنت ماء في الشمس فقال لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : وما نقل أنه يورث البرص فلا يصح عند الأطباء ولا في الرواية
وقول المؤلف " سخن " أي أنه لا بد من قصد فمثلا لو احتر الماء في بركة من الشمس لم يكره لأنه لم يوجد القصد وبعضهم لا يشترط هذا الشرط لأن العلة هي الداء وهي موجودة عندهم ولو بدون قصد
وبعضهم اشترط أن تكون في آنية لأن الداء منها وأما المشمس بالأحواض والبرك فلا تكره
وسبق أن هذا كله لا يصح أثرا ولا نظرا
وهل إذا برد تزول الكراهة أم هي باقية احتمالان في المذهب مبنيان على القوم بالكراهة وسبق أنه لا كراهة
قوله " أو بطاهر "
أي أن الماء إذا سخن بشيء من الطاهرات فهو باق على أصله ولا يكره استعماله وهو مذهب جماهير أهل العلم قال ابن المنذر : وبه قال كل من نحفظ عنه من أهل المدينة والكوفة وهو قول أهل الحجاز والعراق جميعا غير مجاهد فإنه كرهه
وقد روى الطبراني والبيهقي بإسناد ضعيف جدا عن الأسلع التميمي رحال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر قال فأصابتني جنابة فخشيت القر على نفسي فوضعت أحجارا فأسخنت ماء واغتسلت ولم ينكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وروى الدارقطني وصححه عن عمر أنه كان يسخن له الماء ويغتسل به وفي وقتنا المعاصر يدخل فيه ما يسمى بالسخانات
قوله ( وإن استعمل في طهارة مستحبة )
قوله في " طهارة " أخرج استعماله في غير طهارة فهذا احتراز فالماء المستعمل في غير طهارة لا يسلبه الطهورية وهو مطهر بل قال ابن قدامة لا نعلم خلافا في المستعمل في التبرد والتنظيف لأنه باق على إطلاقه
والاحتراز الثاني : " مستحبة" : لإخراج استعماله في الطهارة الواجبة
والماء المستعمل هو الماء المتقاطر من أعضاء الوضوء
وقد مثل المؤلف للماء المستعمل في طهارة مستحبة فقال
" كتجديد وضوء " : وَضَوء بالفتح هو الآلة ، وبالضم هو الفعل قال ابن الأثير في النهاية طهور بالضم، التطهر، وبالفتح الماء الذي يتطهر به كالوضوء بالضم والوضوء بالفتح،والسحور بالضم والسحور بالفتح. وقال سيبويه: الطهور بالفتح يقع على الماء والمصدر معاً).
وفي المصباح: (والوضوء بالفتح الماء يُتَوضَّأ به، وبالضم الفعل، وأنكر أبو عبيد الضمّ وقال: المفتوح اسم يقوم مقام المصدر كالقبول يكون اسماً ومصدراً).
وقوله " تجديد وضوء " تجديد مصدر جدد يجدد تجديدا
وتجديد الوضوء سنة عند جمهور العلماء فلو صلى الظهر ثم دخل عليه العصر فإنه يسن أن يتوضأ وحكى ابن بطال فِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّهُمْ قَالُوا : يَجِب الْوُضُوء لِكُلِّ صَلَاة وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ . . . } الْآيَة قال النووي: وَمَا أَظُنُّ هَذَا الْمَذْهَب يَصِحّ عَنْ أَحَد ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا اِسْتِحْبَاب تَجْدِيد الْوُضُوء عِنْد كُلّ صَلَاة
وقال ابن تيمية رحمه الله : والخلاف في ذلك شاذ . وقد علم بالنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه لم يكن يوجب الوضوء على من صلى ثم قام إلى صلاة أخرى إ.هـ
وقد بوب البخاري في صحيحه باب الوضوء من غير حدث ثم ساق حديث أنس قال : كان النبي صلى الله عليه و سلم يتوضأ عند كل صلاة . قلت كيف كنتم تصنعون ؟ قال يجزىء أحدنا الوضوء ما لم يحدث
وقد ورد حديث في فضل تجديد الوضوء على طهارة وذلك فيما رواه أبو داود وغيره من حديث عبد الرحمن بن زياد عن أبي غطيف الهذلي قال : - سمعت عبد الله بن عمر بن الخطاب في مجلسه في المسجد . فلما حضرت الصلاة قام فتوضأ وصلى ثم عاد إلى مجلسه . فلما حضرت العصر قام فتوضأ وصلى ثم عاد إلى مجلسه . فلما المغرب قام فتوضأ وصلى ثم عاد إلى مجلسه . فقلت أصلحك الله . أفريضة أم سنة الوضوء عند كل صلاة ؟ قال أوفطنت إلي وإلى هذا مني ؟ فقلت نعم . فقال لا . لو توضأت لصلاة الصبح لصليت به الصلوات كلها . مالم أحدث . ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ( من توضأ على كل طهر فله عشر حسنات ) وأنما رغبت في الحسنات
وعبد الرحمن بن زيد هو الإفريقي وهو ضعيف الحديث وقد ضعف الحديث الترمذي والقطان وغيرهما وقد اختلف أهل العلم هل تجديد الوضوء سنة مطلقا أم لابد من عبادة بينهما قال النووي رحمه الله في شرحه لمسلم :
وَفِي شَرْط اِسْتِحْبَاب التَّجْدِيد أَوْجُه أَحَدهَا : أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ صَلَّى بِهِ صَلَاة سَوَاء كَانَتْ فَرِيضَة أَوْ نَافِلَة . وَالثَّانِي : لَا يُسْتَحَبّ إِلَّا لِمَنْ صَلَّى فَرِيضَة . وَالثَّالِث : يُسْتَحَبّ لِمَنْ فَعَلَ بِهِ مَا لَا يَجُوز إِلَّا بِطَهَارَةٍ كَمَسِّ الْمُصْحَف وَسُجُود التِّلَاوَة ، وَالرَّابِع يُسْتَحَبّ وَإِنْ لَمْ يَفْعَل بِهِ شَيْئًا أَصْلًا بِشَرْطِ أَنْ يَتَخَلَّل بَيْن التَّجْدِيد وَالْوُضُوء زَمَن يَقَع بِمِثْلِهِ تَفْرِيق
بل قال ابن تيمية رحمه الله : القول باستحباب إعادة الوضوء لمن صلى صلاة بالوضوء الأول يحتاج إلى دليل ثم قال رحمه الله : وإنما تكلم الفقهاء فيمن صلى بالوضوء الأول : هل يستحب له التجديد ؟ وأما من لم يصل به، فلا يستحب له إعادة الوضوء، بل تجديد الوضوء في مثل هذا بدعة مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما عليه المسلمون في حياته وبعده إلى هذا الوقت إ.هـ
فالشيخ جعل التعبد بالتجديد لمن لم يصل بالوضوء الأول بدعة
وقال عن تجديد الوضوء لكل صلاة يحتاج إلى دليل
قوله : " أو غسل جمعة " : هذا أيضاً طهارة مستحبة على رأي المؤلف : يرى أن غسل الجمعة مستحب وهذا على رأي جمهور أهل العلم وهو الصواب وسيأتي ـ إن شاء الله ـ ذكر الخلاف والأدلة في كتاب الجمعة
فالمؤلف أراد أن يأتي بمثال لوضوء مستحب وغسل مستحب
وقوله : " وغسلة ثانية وثالثة "
الغسلة الثانية والثالثة التي تكون بعد إسباغ العضو هذا هو المقصود فليس المقصود أن كل غسلة ثانية تكون مستحبة كلا بل المقصود الغسلة التي تكون بعد إتمام غسل العضو فلا يقال غسلة ثانية إلا إذا أتممت غسل العضو قبل ذلك غسلة كاملة هذا هو المقصود وسيأتي في باب الوضوء – إن شاء الله - أن بعض أهل العلم اعترض على من فهم من قول الرواة مرة ومرتين أو ثلاثا أن العدد مقصود وأن الغسلة الأولى أسبغت والثانية والثالثة من سنن الوضوء بل فهم أن المقصود الإسباغ وهو كمال السنة فمتى حصل فقد حصلت السنة ولم يوقت عددا وهي أحد أقوال الإمام مالك وسيأتي مزيد بيان في باب الوضوء
قوله " كره "
إذا المؤلف يقول إن الماء المستعمل في طهارة مستحبة باق على طهوريته وهو مكروه
أما طهارته فهو قول جمهور العلماء لأنه باق على إطلاقه ولم يرفع حدثا ولم يزل نجاسة على ما سيأتي للقائلين بنجاسة الماء إذا كان مستعملا في طهارة واجبة
ووجه كراهته أنه استعمل في طهارة وقربة فلا يستخدم مرة ثانية كالعتق
وقالوا إن الماء استعمل في طهارة ، والماء المتقاطر قد طهر من الذنوب والخطايا وهي نجاسات معنوية فيكون الماء مخالطا لهذه النجاسات المعنوية فيكره استعماله ، أليس الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ وغيره في الصحيحين : أن الإنسان إذا غسل يديه تقاطرت الذنوب مع الماء من أطراف الأنامل ، إذن قالوا : هذا ماء قد خالط الذنوب فإنه يكره وقالوا بأنه ماء مختلف فيه فكره لذلك
وقيل بأنه لا يكره وهو رواية عن أحمد اختارها كثير من الأصحاب وهو الصواب لأنه لا دليل على كراهته والكراهة حكم شرعي تحتاج إلى دليل
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طاهر وليس بطهور وهي الرواية الثانية في المذهب وهو رواية في مذهب الأحناف لأنه مستعمل في طهارة شرعية أشبه المستعمل في رفع الحدث وهذا بناء على تقسيم الماء إلى ثلاثة الأقسام وسبق أن الصواب أن الماء إما طهور وإما نجس ولا يوجد قسم من الماء طاهر وليس بمطهر
وسبق أن الصواب أن الماء طهور مطهر بلا كراهة |